التاريخ :
 
 
 الاسم
 البريد
 البريد
اشتراك
الغاء إشتراك
 
تفاصيل المقال

لنحم حوارنا بمظلة قانونية ليكون وطنياً  بقلم : عبد الرحمن الوابلي 

كتب العديد من الزميلات والزملاء الكتاب عن الحوار الوطني، الذي دشنه مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني منذ سنوات، وكل منهم أدلى بدلوه حسب رؤيته التي رأى من خلالها سلبيات أو إيجابيات أو نقاط قوة أو ضعف الحوارات الوطنية السابقة، ولكن جميعهم يكادون يتفقون على أهمية تدشين الحوار الوطني كممارسة، وبحماس، رغم بعض نقاط الضعف التي تعتريه وتقف حجر عثرة أمامه. وأنا لم أكتب عن الحوارات الوطنية التي جرت واكتفيت بقراءة ومتابعة ما تمت كتابته عن الحوار الوطني، مع كوني كذلك أؤيد وبحماس فكرة الحوار الوطني، أن يتم تداولها بيننا، ناهيك عن تطبيقها ممارسة وعلى مرأى ومسمع من الجميع.
وأول ما يجب أن نعترف به، أن ثقافة الحوار لم تكن أبداً وطنية، مهما حاولنا توطينها بيننا. والثقافة الوطنية التي اعتدنا وتدربنا عليها سماعاً وقراءة وممارسة، تقول لنا وبصوت مرتفع، إن من شذ شذ بالنار، وإننا الفرقة الناجية الوحيدة، التي يجب أن تعض على الحق بالنواجذ وأن تمسك بدينها وأفكارها وعقائدها، كما تمسك بالجمر، وأن الحق ليس بالضرورة مع الأغلبية، حيث الأغلبية وإعجاب الناس،يمكن أن تكون أولى خطوات السقوط بهاوية الضلالة، وغيرها من مفاهيم ترسخ الرأي الواحد وتقدسه وتنسخ ما عداه، لا بل وتحاربه. وتم سحب هذه المفاهيم الإقصائية المعلبة والجاهزة من ساحة الجدل الديني والعقدي، لجانب الجدل الثقافي والمدني.
والدليل على ذلك، أن مفهوما مثل مفهوم "الوطن والوطنية،" والذي تجاوزه كل العالم ومنذ قرون، بما فيه العالم الإسلامي، ما زلنا نلت ونعجن فيه ونحاول تبرير صلاحيته وأنه لا يعارض مع العقيدة، لا من بعيد ولا من قريب، وذلك باللف والدوران حوله وعدم الولوج فيه مباشرة. إذاً فلنحل إشكالية مفهوم الوطن أولاً، لندخل في المفهوم الأكثر تعقيداً وتشعباً، والذي يسبقه مباشرة وهو مفهوم الحوار. أي إذا لم نتفق بعد على مفهوم الوطن والوطنية، فعلى أي أساس نجري حوارا وطنياً؟
قد يقول قائل إن الحوار الوطني بحد ذاته كفيل بإيصال مفهومي الوطن والحوار للناس. وهذا صحيح، ولكن ليس 100% ولا حتى 30%، وهو مطلوب وبإلحاح، ولكنه وحده لا يكفي، أي قد يكون مؤججاً للنزاع والفرقة الوطنية، إن لم يتم تدارك تداعيات النقاشات والحوارات التي تتم خارج مركز الحوار الوطني، بعد عقد كل جلسة من جلساته، سواء في المجالس الخاصة أو على الشبكة العنكبوتية. وهذه الفئات هي المفترض أن تكون المقصودة بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وهي كذلك. أما الفئات المشاركة فعلياً في جلسات الحوار الوطني فهي وبجميع أطيافها فئات متعلمة ومثقفة وذكية بنفس الوقت، وتفهم ماذا يعني الوطن وماذا يعني الحوار، ولو اختلفت بينها بتأويل بعض الأشياء، فهي في الأخير تتفق بينها في كثير من الأشياء. ولكن أنصاف المتعلمين وأنصاف المثقفين، والمئة بالمئة هم متحمسون، يلتقطون ما يختلف عليه المتحاورون، وهو القليل نسبة لما يتفقون عليه؛ فيوسعونه ثم يعيدون اللت والعجن حوله، ولا يعيرون أي اعتبار أو انتباه لما يتفق عليه المتحاورون.
ولذلك ، فالمتحاورون دوماً في الحوارات الوطنية، تجد أنهم قد وضعوا أعينهم وآذانهم على ما يقال وسيقال خارج قاعات الحوار الوطني، في المجالس أو ساحات الشبكة العنكبوتية خشية أن تصيبهم رشقاتها الطائشة. فأصحاب التوجهات المحافظة من المتحاورين يتحاشون البوح بكل ما لديهم وطرح أفكار ومشاريع قد تكون إيجابية جداً والوطن بحاجة لها، خشية ما قد يتهمون به. كما أن أصحاب التوجهات غير المحافظة (المنفتحة) كذلك لا يبوحون بكل ما لديهم، خشية رميهم بمغازلة المتشددين أو سعيهم لمناصب حكومية رفيعة أو رميهم بالعمالة للأجنبي.
الحوار الوطني ليس حكراً فقط على ما يعقده مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني؛ ولكن كل ما يكتب أو ينشر أو يعقد من ندوات أو حتى لقاءات تلفزيونية، فكلها بمجملها تشكل حواراً وطنياً في الأول والأخير. وما يجري على المتحاورين في قاعات ساحة الحوارات الوطنية التي يعقدها مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ينطبق عليها كذلك. أي الخوف من الرمي بالتهم جزافاً، مثل العمالة للأجنبي أو الطابور الخامس للقاعدة، والوصف بأقذع وأقذر الأوصاف.
إذاً فجميع المتحاورين في ساحتنا الإعلامية والثقافية، يجب أن يتم تغطيتهم بمظلة حماية قانونية رادعة لكل من يتجرأ على رجم شخوصهم بالتهم جزافاً وسبهم بأبشع وأقذر الصفات. وعلى مركز الملك عبدالعزيز أن يسعى لإنشاء قسم بالمركز لسن قوانين رادعة لحماية المتحاورين الوطنيين سواء عبر جلساته التي يعقدها أو بالحوارات التي تجري على ساحتنا الإعلامية والثقافية.
وكذلك وضع آليات لتطبيق مثل هذه القوانين، على كل من يعتدي برمي التهم وأبشع الأوصاف على أي كاتب أو مثقف أو مسؤول في الدولة، وتطبيق العقاب المناسب ضده. ومن هنا يبدأ المواطن العادي يفرق حقيقة بين ما هو حرية رأي وحوار وطني، وبين ما هو فجور بالقول والفعل جراء الخصومة، وأن هذا ليس من صفات المحاور الوطني، ولكنه من صفات المنافق اللاوطني، والذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ".... وإذا خاصم فجر."
فكثيرا ما نسمع استهانة واستخفافا بالشتم والقذف للمثقفين والكتاب والدعاة وهذا جهل بمفهوم حرية التعبير، وحجتهم أنها وجهة نظر يجب الرد عليها.
فكيف يرد من اتهم بالعمالة لجهة أجنبية أو بالعمالة للقاعدة، هل يذهب ويحضر منهم صك براءة، وأنهم لا يعرفونه ولم يسبق لهم التعامل معه؟!
وعلى هذا الأساس، وبدون وجود منظومة حماية قانونية لسمعة وشخص المحاور، حيث في كثير من الأحيان يطال الفجور حتى الاعتداء على أسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة وحتى طائفته ومنطقته كذلك، لا يمكن توفير حماية للحوار الوطني إلا ممن وضع على كاهله مهمة غرس مفهوم الحوار الوطني على عاتقه، والمركز جدير ومؤهل لذلك.

نقلا عن صحيفة الوطن السعودية



وإقرأ ايضاً للكاتب
اكثر المقالات قراءة في الزاوية
اكثر المقالات قراءة للكاتب

اتصل بنا

اخبر صديق

 

 

أضف تعليقك

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق *
الأحرف المتبقية