تضاربت الأنباء حول نتائج جلسة الحوار الوطني بالأحساء، وتنوعت آراء المشاركين
في الجلسة بين من رأى فيها تقدماً كبيراً على صعيد تأسيس ثقافة الحوار وبين آراء من
صدموا من هول المشهد ومن استمرار ثقافة الإقصاء التي ينتهجها كل معسكر في اختلافاته
الفكرية مع المعسكر الآخر. ولكن الحقيقة التي يمكن اقرارها حول جلسة الحوار الوطني
الأخيرة هي الغياب الكامل لعنصر الشباب من الجلسة في الوقت الذي لا يمكننا إنكار أن
الشباب في المملكة يمثلون أكثر من 50% من الشعب السعودي، وبمعدلات الإنجاب المرتفعة
فإن المستقبل القريب كما نراه ستكون فيه كل النخب الحاضرة في جلسة الحوار الوطني
مجرد أقليات تمثل رؤية وفكر جيل تخطى الكثيرون فيه قدرتهم على التواصل مع الأغلبية
الشابة التي تمثل شئنا أم أبينا القاعدة العريضة لبناء المجتمع. وبغض النظر عن
الاتجاه الذي تميل نحوه البوصلة ضمن التيارات المختلفة التي حضر ممثلوها في جلسة
الحوار الوطني، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هؤلاء الحضور يمثلون حقيقة
القاعدة العريضة من الشباب في الوطن؟ وهل ينجذب الشباب في المقابل لخطاب هؤلاء؟
تصاعد في الفترة الأخيرة الزخم نحو مناقشة ثقافة الحوار في المملكة وبالأخص بعد
تداعيات تصريحات الشيخ الغامدي حول الاختلاط وما تبع ذلك من هجوم قاس تعرض له الشيخ
على يد من ينتمون إلى نفس مدرسته الفكرية وهو ما يمكن النظر له على أنه دليل على
منهجية الإقصاء الفكري السائدة لدينا في المملكة، فالنقد وجه للشيخ قبل أن يوجه
لكلامه، والحجة والدليل لم يواجها بحجة ودليل من الطرف الآخر، وهو الأمر الذي بات
السمة السائدة – للأسف – للطريقة التي ندير بها اختلافاتنا في الرأي والفكر. ولكن
ما يثير الانتباه خلال هذا الأمر أن أغلب من تبنوا الهجوم والدفاع كانوا من شريحة
الشباب، وهو ما يدل على مدى الشحن الفكري الذي يعانيه الشباب في مثل هذه القضايا،
وهو شحن أخذ توجهاً مغايراً حيث اتخذ الحوار الشبابي – الشبابي منحى مغايرا لحوار
جيل الكبار من أمثال من حضروا جلسة الحوار الوطني، وبالتالي يمكن القول إنه في
المحصلة حدث انفصال تام بين خطاب الشباب على اختلاف تياراتهم وبين خطاب الجيل
الحالي على اختلاف تياراتهم، وإذا كان لنا أن نتساءل عن جدوى الاستمرار في عقد
جلسات الحوار الوطني والنتائج التي تخرج بها، فإن الأهم هو التساؤل حول مدى فاعلية
هذه الجلسات في إحداث تغيير حقيقي، خاصة وأن التغيير الحقيقي مستقبلاً رهن بما
سيقدمه الشباب الذين يمثلون غالبية المجتمع.
هذه التساؤلات تقود لضرورة البحث عن سبل تفعيل الحوار الشبابي كمدخل حقيقي لتفعيل
أهداف جلسات الحوار الوطني، فالشباب كما الكبار يملكون تياراتهم وأفكارهم ورؤاهم
ومع مرور الوقت يزداد انفصال التيارات الشبابية المختلفة عن التيارات المماثلة لها
في الجيل الحالي مما سيقودنا مستقبلاً لذات النقطة التي نحن فيها اليوم إن لم نقم
بإرساء حوار حقيقي بين جيل الشباب اليوم بتياراته المختلفة، كما يجب أن نتنبه إلى
أن الشحن الفكري والطاقة الهائلة لدى الشرائح الشبابية جعلت من الحوارالشبابي الآخذ
في الازدياد في العديد من القنوات كالمنتديات وغيرها من سبل التواصل الاجتماعي أكثر
ضراوة وحدة من حوار جيل الكبار.
في هذا المجال يمكن لنا أن نستفيد من تجارب الغير في كيفية تأسيس قنوات حوار للشباب
تساعد على وصل جسور التفاهم، ولعل التجربة الأبرز في هذا المجال هي تجربة "قهوة
الحوار" (Café Dialouge) التي أنشأها تحالف الحضارات في الأمم المتحدة
(www.unaoc.org) بغرض إنشاء منتدى مخصص للحوار بين أبناء الحضارات المختلفة مما
يساعد على التقريب بينهم وبين وجهات نظرهم نحو الحلول التي يجب اتخاذها لحل المشاكل
العالمية. القائمون على "قهوة الحوار" (www.dialoguecafe.org) يقومون على سبيل
المثال بعقد جلسات بين شباب من مناطق مختلفة مع نظرائهم وذلك بالتواصل عن بعد من
خلال الدوائر التلفزيونية (Video Conference)، وإذا كان أبناء الحضارات المختلفة
قادرين على التواصل والتعبير عن آرائهم واختلافاتهم بهدوء فما الذي يمنع من أن نقوم
نحن شباب البلد الواحد والثقافة الواحدة بالتعبير عن آرائنا واختلافاتنا أيضاً
بهدوء، وإذا كان شبابنا يقضون الكثير من أوقاتهم في المقاهي فلماذا لا نجعل تجربة
المقهى غنية بالحوار بين أبناء الوطن.